
موقع جمعيّة العمل البلدي - بشرى الضّيقة
يُعدّ الأرشيف البلدي الذاكرة الحيّة للجماعات المحلية، والشاهد الأساسي على التاريخ الإداري والاجتماعي والعمراني للبلدات. فمن خلال الوثائق والسجلات المحفوظة، يمكن تتبّع تطوّر البلديات وفهم القرارات التي شكّلت حاضرها، كما يساهم الأرشيف في حفظ الحقوق وتوثيق مسيرة العمل البلدي.
وفي هذا السياق، تطرّق برنامج "حكي بلدي" عبر إذاعة النور إلى أهمية الأرشيف البلدي، وأنواع الوثائق التي تحتويها البلديات، وطرائق حفظها وتنظيمها، إضافة إلى آفاق تطوير الأرشيف ودور التكنولوجيا في حمايته وخدمة المواطنين. وقد استضاف البرنامج رئيس المركز الوطني للأرشفة والتوثيق الأستاذ إبراهيم عاصي للحديث عن هذا الموضوع الحيوي.
وشرح عاصي أنّ الأرشيف البلدي يختلف عن أرشيف الوزارات والمؤسسات الأخرى، كونه يعنى حصريًا بشؤون البلدة من مشاريع وخدمات وإدارة محلية، ما يجعله مرجعًا أساسيًا لحفظ الذاكرة المحلية وتوثيق الحياة الإدارية.
وأوضح أنّ عملية حفظ الوثائق تمرّ بمراحل مختلفة، تبدأ بالمعاملات غير المنجزة التي تُحفظ مؤقتًا، ثم بالوثائق التي قد يُعاد الرجوع إليها لفترة زمنية، وصولًا إلى المستندات الأساسية التي لا يجوز إتلافها مثل قرارات المجالس البلدية، ومحاضر الاجتماعات، ورخص البناء، لأنها تشكّل الذاكرة الوطنية للبلدية.
وأشار إلى أنّ الوثائق البلدية تشمل وثائق عقارية، ووثائق إدارية، إضافة إلى وثائق مرتبطة بذاكرة المكان والتاريخ المحلي، مؤكّدًا أنّ البلديات مُلزمة قانونًا بحفظ هذه الوثائق، سواء داخل مقارّها أو عبر إيداعها في مؤسسة المحفوظات الرسمية، مع الحفاظ على ملكيتها للبلدية.
وفي ما يتعلّق بخدمة المواطن، شدّد عاصي على أنّ ضعف تنظيم الأرشيف في العديد من البلديات أدّى إلى صعوبات كبيرة في استرجاع المعاملات، حيث كانت المستندات تُحفظ أحيانًا في صناديق من دون تصنيف واضح، ما يعيق العمل الإداري ويؤخّر معاملات المواطنين.
من هنا، عمل المركز الوطني للأرشفة والتوثيق منذ عام 2005 على إدخال منهجية جديدة تقوم على تصنيف الوثائق الورقية ثم رقمنتها عبر برامج إلكترونية متخصصة تتيح البحث السريع والوصول إلى المعلومات خلال ثوانٍ. وأوضح أنّ الأرشيف الإلكتروني لا يلغي الأرشيف الورقي، بل يشكّل نسخة داعمة وآمنة له، خصوصًا في ظل التهديدات الأمنية التي قد تطال المباني والوثائق.
كما أشار إلى اعتماد تقنيات إضافية مثل الميكروفيلم، الذي يسمح بحفظ آلاف الصور الوثائقية لفترات طويلة قد تصل إلى مئة عام، مع إمكانية استرجاعها قانونيًا عند الحاجة، وقد ساهم هذا النظام في حماية ذاكرة العديد من البلديات التي تعرّضت أرشيفاتها للتلف خلال الحروب.
وبيّن عاصي أنّ عملية الأرشفة تبدأ بفرز الوثائق وتنظيمها وترميمها قبل الانتقال إلى الأرشفة الإلكترونية، حيث يتم تدريب موظفي البلديات على كيفية حفظ المستندات بطريقة صحيحة باستخدام أدوات خاصة تحمي الأوراق من التلف والحشرات.
وفي إطار تطوير العمل الإداري، كشف عن اعتماد القلم الإلكتروني الذي يسمح بتسجيل المعاملات إلكترونيًا وتتبع مسارها بين الموظفين ورئيس البلدية ضمن فترة زمنية محددة، ما يخفّف الجهد والتكلفة، ويحدّ من التأخير والفساد الإداري، ويعزّز الشفافية.
وختم عاصي بالتأكيد على ضرورة تعيين موظف مختص بالأرشيف في كل بلدية، يتم تدريبه على القراءة والكتابة واستخدام الحاسوب، ليكون المرجع الأساسي في حفظ وتنظيم الوثائق، لأن الأرشيف يشكّل ذاكرة الناس والبلدة، وحمايته تعني حماية التاريخ والحقوق معًا.
تاريخ النشر:2026-01-15
