
موقع جمعيّة العمل البلدي - بشرى الضيقة
في ظل ندرة المصادر المكتوبة التي توثّق تاريخ الأرياف اللبنانية، يبرز التاريخ الشفوي كمسار مكمّل للوثيقة، يساهم في سدّ الفجوات التي خلّفتها الكتابات التقليدية، لا سيما تلك التي ركّزت على الأحداث الكبرى وأدوار النخب، وأغفلت تفاصيل الحياة اليومية للناس. فحين تغيب الوثائق أو تأتي مجتزأة، تصبح الذاكرة الحية مدخلًا أساسيًا لكتابة تاريخ أكثر شمولًا، يعكس تحولات المجتمع الريفي في أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وفي حديث لموقع جمعية العمل البلدي، أوضح المؤلف والباحث أحمد هارون أن كتابه «تاريخ عبّا الاجتماعي (1860–2017)» يأتي في هذا السياق، بوصفه محاولة لتوثيق المسار التاريخي لبلدة عبّا ضمن الإطار العام لتاريخ أرياف جبل عامل، التي عانت طويلًا من التهميش، خصوصًا خلال مرحلتي الانتداب والاستقلال، رغم ما تمتلكه من مقومات بشرية واقتصادية وثقافية.
وأشار هارون إلى أن الكتابة في تاريخ الأرياف تطرح تحديات منهجية وبحثية، في مقدّمها شحّ المصادر المكتوبة وتشتتها، ما فرض اعتماد منهج يجمع بين الوثيقة المتاحة والرواية الشفوية لمن عاصروا المراحل التاريخية المختلفة. ولفت إلى أن هذا الجهد البحثي استغرق سنوات من العمل المتواصل، منذ العام 2012، شمل جمع الروايات، نقدها، مقاطعتها، وتبويبها ضمن سياق تاريخي متكامل.
ويغطي الكتاب ثلاث مراحل مفصلية من تاريخ عبّا الحديث والمعاصر، تبدأ بالعهد العثماني وما رافقه من تحولات في بنية السلطة المحلية، مرورًا بمرحلة الانتداب الفرنسي وتشكّل دولة لبنان الكبير، وما شهدته البلدة من مواقف سياسية واجتماعية في تلك المرحلة، وصولًا إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، بما حملته من تحولات كبرى، من نكبة فلسطين، وأحداث 1958، وصعود الأحزاب السياسية، إلى الحرب الأهلية اللبنانية، والاحتلال الإسرائيلي، وانطلاق أعمال المقاومة.
ولا يقتصر العمل على السرد السياسي، بل يتناول مختلف أوجه الحياة في البلدة، من تطور البنية الاجتماعية والعائلية، ونشوء الملكيات العقارية والزراعية، إلى واقع الزراعة والتعليم والصحة والعمل البلدي، فضلًا عن التبدلات التي طرأت على أنماط العيش والعادات والتقاليد، وانعكاسات التحولات الاقتصادية والإنماء غير المتوازن على المجتمع المحلي.
ويؤكد هارون، في حديثه لموقعنا، أن أهمية هذا النوع من التأريخ تكمن في كونه يضع الناس في صلب الرواية التاريخية، بوصفهم صانعي تاريخهم اليومي، لا مجرد متلقّين للأحداث. كما يتيح فهم العلاقة بين الماضي والحاضر، ويساعد على قراءة التحولات الاجتماعية والاقتصادية ضمن سياقها التاريخي، بما يفتح الباب أمام استشراف المستقبل.
وختم بالتشديد على أن تعميم تجربة كتابة التاريخ الاجتماعي على بلدات أخرى يشكّل خطوة أساسية في حفظ الذاكرة الجماعية وبناء الهوية المحلية، فضلًا عن توفير مادة معرفية يمكن أن تستفيد منها البلديات والباحثون في مجالات التخطيط التنموي، وتعزيز دور السلطات المحلية في إدارة شؤون مجتمعاتها.
تاريخ النشر:2026-01-23
