
خاص موقع جمعية العمل البلدي – غدير عبد الساتر
في أقصى الجنوب اللبناني، حيث الأرض تحفظ ذاكرة المجازر، والمنازل تشهد على قسوة الحروب، تنهض بلدة الخيام من تحت الركام، بخطى ثابتة وإرادة صلبة، لا تهتز أمام دمار، ولا تتراجع أمام محنة.
هي الخيام، التي اعتادت أن تكون جبهةً في وجه الاحتلال، وحاجزًا صلبًا أمام عدوٍّ غاشم يسعى للاستعمار، فيواجه وطنًا ببلدةٍ اعتادت الحياة، وتشبثت في جذورها هوية المقاومة. وها هي اليوم تتحوّل إلى ورشة حياة من جديد، ينسج أهلها خيوط العودة من بين أنقاض الدمار.
منذ الأيام الأولى لانتهاء العدوان، بدأت بلدية الخيام الحالية، بالتعاون مع المجلس البلدي السابق، بخطة التعافي، التي كان أول بندٍ فيها إزالة الركام المتناثر في الأحياء والبيوت المتضررة. تضم بلدة الخيام 2600 وحدة سكنية، ويُقدّر عدد الوحدات السكنية التي تحتاج إلى ترميم بـ 4700 وحدة، ونحو 700 وحدة تستدعي هدمًا جزئيًا أو إعادة ترميم شاملة نتيجة الضرر الكبير الذي أصابها. اليوم، تمّت إزالة ما يقارب 65% من الركام، في خطوة أساسية لإعادة البناء وتسهيل عودة الأهالي إلى منازلهم.
يقول رئيس البلدية عباس يوسف علي، في حديث لموقع جمعية العمل البلدي: "بدأنا من الصفر، من بين الحجارة والغبار، وها نحن نرى الخيام تستعيد ملامحها، بيتًا بيتًا، أزقّةً أزقّةً ". رغم الأزمة الوطنية المستمرة في ملف الكهرباء، إلا أن الخيام أعادت التيار إلى أكثر من 70% من المنازل. فتم تمديد الشبكات والكابلات، والعمل جارٍ على توصيل التيار لأوسع شريحة ممكنة من المواطنين.
أما المياه، فقد عادت إلى مجاريها بفضل التعاون بين البلدية، مصلحة مياه الجنوب، بدعم من بعض الجمعيات. يكمل علي: "تمكّنا من إصلاح الأعطال، التي لحقت بشبكات المياه خلال الحرب، وعالجناها بشكل كامل تقريبًا"، مشيدًا بالدور الأساسي لمصلحة المياه التي "لا تزال تقدّم خدماتها وتواكب احتياجات الأهالي".
الأهالي يعودون.. مشهدٌ مؤثّر في كل تفاصيله
لا تنتهي الأحلام عند عتبة المنازل المهدّمة، ولا عند طريقٍ مهدّد بالقصف، ولا تنتهي الحكايات عند حدودٍ متفق عليها. في الجنوب، الأرض تروي أصولها وجذورها ووطنيتها، فكيف بالناس التي لازمت هذه الأرض وثبتت في هويتها روحُ المقاومة؟
يشرح رئيس البلدية واقع البلدة، ويشير إلى أنه "عندما تسلّمنا البلدية، كان عدد العائلات المقيمة لا يتجاوز 300، وبعد شهر من بدء العمل ارتفع إلى 400 أو 500، واليوم وصل العدد إلى 750 عائلة مسجّلة". ويضيف: "في الظروف العادية، يبلغ عدد عائلات البلدة نحو 1600، وفي الصيف قد يصل العدد إلى 5000 بين المغتربين وأبناء العاصمة. هذا الإقبال على العودة، رغم الدمار، هو الدليل الأكبر على حب الناس لأرضهم، وعلى الهوية الثقافية التي لا تموت".
المدارس، هي الأخرى، لم تسلم من العدوان. الثانوية الرسمية تعرّضت لدمار جزئي، وتم تأمين مبنى بديل مؤقتًا. مجلس الجنوب بدأ بترميم المدرسة المهنية، والعمل جارٍ على معالجة الأضرار في المدارس الرسمية بالتعاون مع بعض الجمعيات. "نتعامل مع كل مدرسة كأولوية، ونعمل على إيجاد حلول تجمع بين الواقع المؤقت والرؤية طويلة الأمد"، يقول علي، مشيرًا إلى إمكانية دمج بعض المدارس الخاصة مع الرسمية كحلّ مرحلي.
أزمة النفايات لم تكن سهلة، فجميع الحاويات تضرّرت، لكن البلدية أطلقت حملة بالشراكة مع عدد من الجهات المانحة، وتم تأمين بين 300 إلى 400 حاوية، منها 200 وُضِعت حاليًا في البلدة، والباقي قيد التوزيع. في السياق الأمني، وبعد بعض حوادث السرقة والتعدّيات، تم تعزيز دور الشرطة البلدية، وإعادة ضبط الأمن بالتعاون مع الجيش، والمخابرات، وقوى الأمن الداخلي.
أرض تنبت انتماءً وصمودًا
بلغة واثقة، ونبرة مفعمة بالحبّ والانتماء، يختم رئيس البلدية عباس علي كلامه: "الخيام لم تكن يومًا مجرّد بلدة، بل رمزًا للصمود والكرامة. على مدى السنوات الماضية، ثبتت هويتها الثقافية والوطنية، المتجذّرة في روح المقاومة. هذا الشعب لا ينسى أرضه، لا يتنازل عنها، ولا يقبل أن يُقتلع منها. العودة الكثيفة التي نشهدها اليوم هي خير دليل على أن الخيام باقية بأهلها، بتاريخها، وبحبّها لهذه الأرض".
تاريخ النشر:2025-07-30
