
موقع جمعية العمل البلدي - حنان درّة
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه العمل البلدي في لبنان، يبرز موضوع المكننة كأحد الحلول الأساسية لتطوير الإدارة المحليّة وتحسين جودة الخدمات. الدكتور إبراهيم نصّار المتخصّص في علوم الإدارة والمُحاسبة، خلال مقابلة أُجريت معه ضمن برنامج “حكي بلدي” عبر أثير إذاعة النور، أشار الى أهمية المكننة ودورها في تيسير العمل البلدي، منطلقًا من تجربته الشخصية الطويلة في هذا المجال.
واضاف نصّار ان المكننة لا تقتصر فقط على استخدام الكمبيوتر أو الأنظمة الرقمية، بل تشمل كل الوسائل التي تستبدل الجهد اليدوي بأدوات تقنية توفر الوقت وترفع كفاءة العمل، سواء في مجالات الأشغال، الري، تعبيد الطرقات أو الإدارة الداخلية. واكد أن الهدف منها هو تقديم خدمة أفضل للمواطن بأقل جهد وكلفة ممكنة.
واستعرض في حديثه بدايات إدخال المكننة إلى العمل البلدي، مشيرًا إلى أنه كان من أوائل من باشروا اعتمادها عام 2002، من خلال مشروع خاص لإدخال أنظمة المحاسبة والإدارة الإلكترونية في بعض البلديات.
لكنه أوضح أن المشروع توقّف لاحقًا بعد أن أطلقت وزارة الداخلية مشروعًا مشابهًا وزّعت بموجبه أجهزة كمبيوتر وطابعات على البلديات مجانًا، ما أدّى إلى تجميد المبادرات الفردية. واعتبر أن غياب التنسيق حينها كشف عن نقص في الرؤية الوطنية الموحدة لدعم التحوّل الرقمي في البلديات.
وأضاف نصّار، المتخصّص في علوم الإدارة والمُحاسبة، أن المكننة ليست حكرًا على البلديات الكبيرة، بل هي حاجة عامة تشمل كل البلديات، بغض النظر عن حجمها أو موازناتها. ولفت إلى أن العامل الحاسم في هذا السياق هو الإمكانات المادية، حيث تعجز الكثير من البلديات الصغيرة عن شراء المعدات أو البرمجيات اللازمة بسبب ضيق الموارد.
وفي ما يتعلّق بآلية اتخاذ القرار، أوضح أن اعتماد المكننة هو خيار يعود إلى المجلس البلدي نفسه، ولا توجد حتى الآن وظيفة محددة تُعنى بهذا الملف ضمن الهيكليات الرسمية. وأشار إلى إمكانية أن تُدرج هذه المهام ضمن عمل “الموظف الإداري”، لكنّه شدد على أن الموضوع لا يقتصر على الجانب التقني، بل هو أيضًا قرار إداري يتعلق بإدارة البلدية وتعزيز تواصلها مع الناس.
وتابع نصّار ان كل شيء داخل المجلس البلدي قابل للمكننة: من إدارة الموارد البشرية، والرواتب، وتنظيم دوام الموظفين، إلى الأرشفة الإلكترونية للقرارات والمستندات، والمحاسبة، والتواصل مع المواطنين. واعتبر أن هذا التحوّل من شأنه أن يجعل من المجلس البلدي مؤسسة أكثر انفتاحًا وفعالية.
وضمن المقابلة أضاء على التحديات التي تحول دون تطبيق هذا التوجه، فقال إن المشكلة تبدأ من غياب القوانين التي تُلزم البلديات باعتماد المكننة، ومن غياب استراتيجية وطنية من قبل وزارة الداخلية. وأضاف أن البنى التحتية من كهرباء وإنترنت غير مؤهّلة في كثير من المناطق، فضلًا عن نقص الكفاءات البشرية القادرة على مواكبة هذا التحول. وأشار أيضًا إلى عامل التمويل، قائلاً إن هناك بلديات لا تملك حتى الإمكانية لشراء جهاز كمبيوتر، فكيف الحال بالأنظمة المتطوّرة أو البرامج المتخصّصة.
ورغم هذا الواقع، نوّه نصّار بوجود جهة فاعلة تعمل بشكل جدّي على تأهيل البلديات، فقال: “الجهة الوحيدة التي تُعنى بهذا الموضوع حاليًا هي مديرية العمل البلدي في حزب الله، التي تقوم بتدريب المجالس البلدية على برامج الإدارة، الأرشفة، المحاسبة، وحتى على استخدام أنظمة software خاصة بالعمل البلدي”. ولفت إلى أن تجاوب البلديات مع هذه المبادرات يختلف بحسب الجهوزية والظروف المحلية.
ومن التحديات التي ركّز عليها أيضًا، هاجس الأمن السيبراني، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة التي أظهرت هشاشة البنية الرقمية في لبنان. وقال إن الكثير من البلديات باتت تتخوّف من تحميل معلوماتها الإدارية والوظيفية على برامج إلكترونية خوفًا من الاختراقات، في ظل انعدام الأمان الرقمي الكامل في البلاد.
ومع ذلك، شدّد نصّار على أهمية المكننة في تعزيز العلاقة بين البلدية والمواطن، معتبرًا أن التعامل مع الناس هو أحد أبرز وجوه العمل البلدي، والمكننة تساهم في توسيع نطاق المجلس البلدي وتحويله من إدارة مغلقة إلى مجلس متفاعل ومفتوح.
وختم بالإشارة إلى واقع التجارب القائمة اليوم، فقال: “لا يمكن القول إن هناك بلدية تعتمد نظام مكننة متكامل، وخصوصًا خارج المدن الرئيسية، لكن يمكن ملاحظة استخدام جزئي للمكننة في المحاسبة أو الأعمال الإدارية. وهذا مؤشر إيجابي، لكنه لا يكفي، لأن المطلوب هو مشروع وطني شامل يدعم هذا التحوّل على مستوى كل لبنان”.
تاريخ النشر:2025-07-07