
موقع جمعية العمل البلدي - لمى زين
ليست البلديات مجرد وحدة ادارية فحسب، بل هي فاعل اقتصادي اجتماعي تربط بين الناس والارض، وتعزز التنمية المستدامة من خلال التخطيط والمشاريع الواقعية بفضل الادارة والتنظيم، وتخلق فرص عمل لاهلها مشجعة بذلك التنمية المحلية للبلدات الى جانب الاعمال الاساسية الاخرى من تاهيل بنية تحتية وادارة وغيرها.
برنامج "حكي بلدي" عبر اذاعة النور استضاف رئيس بلدية عيترون ونائب رئيس اتحاد بلديات بنت جبيل المهندس سليم مراد للحديث عن الرؤية المتكاملة حول دور البلديات في التنمية الاقتصادية المحلية، انطلاقًا من التجربة الحية لبلدة عيترون.
وخلال المقابلة أكد سليم أن البلدية ليست مجرد جهة تنظيمية، بل هي حجر الأساس في بناء التنمية، بما تمتلكه من قدرة على تحفيز المبادرات الفردية، واستثمار الإرث الزراعي والثقافي، وتحريك العجلة الاقتصادية من داخل المجتمع نفسه.
واشار مراد الى أن قوة البلدية تكمن في قدرتها على التخطيط لمشاريع صغيرة مستدامة، تخلق نماذج قابلة للتكرار، وتساعد في بناء مجتمع مترابط قادر على الصمود في أرضه. في عيترون، أُطلقت مبادرات بالتعاون مع القرى المجاورة مثل عيناتا وكونين، حيث تم تقديم أراضٍ للزراعة المنظمة، وتأمين بذار للمزارعين بشرط توزيعها لاحقًا على جيرانهم، ما خلق دورة اقتصادية اجتماعية تعزز التكافل والتعاضد. هذه التجربة تؤكد أن البلديات قادرة على النهوض الذاتي بعيدًا عن مؤسسات الدولة الغائبة، وأن إرادة الجنوبيين هي المحرك الحقيقي للتنمية.
وفي سياق دعم المشاريع الحرفية والصغيرة، اكد مراد على عمل البلدية في استقطاب الجمعيات المحلية والجهات الصديقة، وتوفير برامج مستهدفة لتسويق المنتجات عبر التسويق الإلكتروني، إلى جانب تنظيم معرض أرضي لعرض الإنتاج المحلي. ولفت الى انه مؤخراً ظهرت تربية النحل الى جانب تربية الماشية والزراعة، مستفيدة من خبرات أصحاب المهن والمغتربين الذين يساهمون بالدعم المالي والمعنوي. هذا الاستثمار في الإنسان لصالح الإنسان، يواجه تحديًا كبيرًا يتمثل في التهديد الأمني الإسرائيلي، الذي يُعد العائق الأكبر أمام الاقتصاد المحلي، لكنه لا يُثني البلديات عن السعي لتطوير مشاريعها عبر آليات دعم بديلة.
ورغم ضعف الموارد المالية، حيث أن واردات البلديات من الصندوق البلدي المستقل لا تكفي لتغطية الحاجات الأساسية، إلا أن البلديات تلجأ إلى تأسيس جمعيات إنتاجية تأخذ نسبة من الأرباح، وتُنشئ تعاونيات لتسويق الإنتاج، وتُقيم شراكات مع القطاع الخاص والجمعيات الحاضنة. هذه الآليات تفتح أبوابًا جديدة للاستثمار، وتُترجم الأفكار التنموية إلى مؤسسات فاعلة.
وقد اثنى الرئيس مراد على أهمية التخطيط، حيث تلعب جمعية العمل البلدي دورًا داعمًا في تحويل النجاحات الفردية إلى مؤسساتية، عبر استثمار الطاقات المحلية وتحديد الحاجات والأولويات. واشار الى ضرورة جدولة المشاريع سنويًا، مع الحرص على الاستدامة والتشغيل الدائم، دون التسرع في اتخاذ القرارات للعمل على الافكار. وشجع على مشاركة المتطوعين والطلاب الجدد الذين يحملون أفكارًا متجددة، والاستماع إلى الناس، لأن عالم المعرفة متنوع ورائد، فيما يشكل المغتربين رافعة اقتصادية واجتماعية لا بد من استثمارها.
وفي ما يخص تحريك العجلة الاقتصادية عبر الأسواق المحلية، أكد مراد في مقابلته مع اذاعة النور، على أهمية تطوير الأسواق التقليدية مثل سوق بنت جبيل، ودعمها بالتسويق الإلكتروني وخدمات التوصيل، وتنظيم مهرجانات تسوق وأسواق شعبية تعزز التبادل التجاري والاجتماعي. وقال إن هذه الأسواق تُعد منصات للتلاقي الثقافي والتواصل بين الناس، وتُسهم في عرض منتجات المزارعين التقليديين، وهنا يبرز دور البلدية في تنظيم القوانين وإيجاد الفرص، وإعادة إحياء أسواق مثل سوق الخميس وسوق الخان.
الهوية الثقافية للبلدة كانت حاضرة بقوة في كلام مراد الذي أكد على ضرورة الحفاظ على الطابع الثقافي وجذب السياح عبر تحويل البيوت القديمة إلى منتديات ثقافية ومراكز للصناعة الحرفية، ما يجعلها معالم سياحية حية. كما اثنى على تعزيز الثقافة المقاومة عبر إبراز مقتنيات المقاومين وتحويل أماكن الاستشهاد إلى معالم تواصل ثقافي ومقاوم، يجب الحفاظ عليها.
وفي سياق المقابلة، شدد رئيس بلدية عيترون على أن البلدية لا تستطيع أداء دورها الاقتصادي إلا عبر شبكة علاقات واسعة مع بلديات أخرى، تساعدها في جلب المشاريع، خاصة في ظل ضعف الصندوق البلدي الذي لا يواكب تغيرات سعر الصرف. لكن "من رحم الضعف تولد القوة"، والتعاون والتكاتف والمغتربون أصبحوا البديل الحقيقي للبلدية في تحصيل المال. وعندما تكون الجدوى الاقتصادية واضحة، والنتائج ملموسة، والتجارب ناجحة، تُجذب الاستثمارات الداخلية والخارجية، وتُترجم أقوال الناس إلى واقع فعلي بحرص وأمانة.
ختاماً اوضح مراد كيف ان المجتمع المحلي المتمثل بالناس هو الشريك الأساسي للبلدية، وتعزيز الثقة بين المواطنين والبلدية يبدأ من إشراك الناس، والطلاب، والشباب، في التخطيط والتنفيذ من مبدأ "من شاور الناس شاركها في عقولها"، والعقل الجماعي هو المدبر الحقيقي. وإذا بقي أعضاء البلدية يفكرون وحدهم، تصبح المعاناة أكبر.
وقال في حديثه إن "الغنى البشري في العقول هو الثروة الحقيقية، واستثمار الشباب هو الطريق إلى التنمية، لأن إشراك الناس في تحديد حاجاتهم يخفف من المخاطر ويعزز النجاح على الصعيد المحلي أولاً والمجتمعي ثانياً".
تاريخ النشر:2025-11-08
